27‏/8‏/2011

طبخة سياسية و غسيل صحون - الماغوط


الأول: لماذا تختبىء في هذا البرميل؟ وفي مثل هذه الساعة المتأخرة من الليل؟ قل الحقيقة وإلا أبلغت عنك الحارس أو منظمة " أوبيك" .

الثاني: وأين أختبىء اذن؟

الأول: ومم أنت هارب؟

الثاني: من الصحفيين والسياح الأجانب.

الأول: لماذا؟

الثاني: في الحقيقة. منذ ان احتلت اسرائيل سيناء والجولان والضفة الغربية، وأعلنت القدس عاصمة أبدية لها، وعزلت مصر، وضربت المفاعل النووي العراقي، ووصلت إلى بيروت، وشردت المقاومة بحراً وبراً وجواً، وألحقت بها الحركة الوطنية، ولم تتحقق أهدافها، كما يؤكد لنا الاعلام العربي بكل اعتزاز وفخر، صار هدفي الوحيد كعربي أن أتوارى عن الأنظار حتى لا يصيبني أحد بالعين، أو يقتطع أحد ثوار أمريكا اللاتينية وايرلندا خصلة من شعري أو مزقة من ثيابي للتبرك بها في معاركهم الدائرة هناك. أو أن يحاصرني الصحافيون والسياح الأجانب بالأسئلة أو ينوموني مغناطيسياً، ليعرفوا السر الذي يجعل العربي يحقق الانتصار تلو الانتصار في جميع الظروف والمناسبات وهو يتثاءب في المقاهي، فالموضوع يحتاج إلى كثير من الحيطة والحذر.

الأول: بل تحتاج إلى لطمة على هذا الوجه، وهل شعوب أوروبا وأمريكا وروسيا عديمة انتصارات أيها المغفل؟

الثاني: طبعاً. لقد حقق المساكين كلهم مجتمعين، انتصاراً يتيماً واحداً على ألمانيا منذ أربعين سنة وانتهى الأمر. بينما نحن العرب، نحقق كل يوم عشرات الانتصارات دون ملاجىء وصفارات إنذار ومشوهي حرب كما كان عندهم. ولذلك فهم يغارون منا، ويحاولون المستحيل لمعرفة السر الكامن وراء هذا الاسهال في الانتصارات المتلاحقة، وهذا يفرض علينا أن نكون كتومين ومقتضبين في أحاديثنا معهم، وأن لا نبوح بأية كلمة عن أسرار هذه الانتصارات لأنها ملك للمستقبل وللأجيال اللاحقة.

الأول: اطمئن، فكل محاولاتهم ستتحطم على صخرة الصمود والمقاومة العربية ..

الثاني: ومع ذلك، حذار من أية كلمة هنا أو هناك.

الأول: لا توصي حريصاً، فعندي مكان لكل أسرار العالم، ولكن ليس عندي مكان أنام فيه.

الثاني: انزل إلى جانبي في هذا البرميل، ماذا تنتظر؟

الأول: وهل يتسع لاثنين؟

الثاني: إنه يتسع لمؤتمر قمة، أفلا يتسع لاثنين من رعاياه؟

الأول: افسح لي مكاناً إذن؟

الثاني: تفضل على الرحب والسعة. وقهوتك المرة جاهزة.

الأول: شكراً. أنا لا أشرب إلا الفودكا.

الثاني: أنت يساري اذن؟

الأول: ومتطرف أيضاً.

الثاني: وماذا تفعل عندي في هذا البرميل اذن؟

الأول: وأين أنام في هذا البرد القارس؟

الثاني: في قلوب الجماهير.

الأول: وإذا تكشفت في الليل؟

الثاني: تغطيك الدولة اعلامياً.

الأول: أنا لست موظفاً ولا علاقة لي بأية جهة رسمية. أنا مناضل قطاع خاص، ومتفائل أيضاً.

الثاني: أما أنا فيائس ومتشائم قطاع عام.

الأول: لولا هذا البرد المريع لما بقيت معك لحظة واحدة.

الثاني: هناك أزمة طاقة.

الأول: اذن نحن نجلس في أزمة الطاقة.

الثاني: وأين أزمة الطاقة؟

الأول: في البرميل.

الثاني: وأين البرميل؟

الأول: في الوطن.

الثاني: وأين الوطن؟

الأول: في قلوبنا، في قلوب الجماهير.

الثاني: وأين الجماهير؟

الأول: في البرميل، اذن دحرجونا إلى فلسطين، إلى حيفا ويافا.

الثاني: اخفض صوتك، جاءت الدورية.

الأول: إلى الناصرة، إلى بيت لحم.

الثاني: إذا لم تسكت، فلن يدحرجوك إلا إلى بيت خالتك.

الأول: أعظم برد في العالم هو برد روسيا، هناك حيث تظل متجمداً باستمرار أمام عظمة الانجازات التي حققتها الشعوب.

الثاني: نحن والحمد لله، دون ثلج أو صقيع أو أوحال، متجمدون منذ الجاهلية حتى الآن.

الأول: أعظم وحل في التاريخ هو وحل روسيا. هناك حيث تنزلق أقدام المجتمع من الاقطاع إلى الاشتراكية إلى الشيوعية دون أن يشعر أحد بذلك. إنه وحل صبور وداهية.

الثاني: أما الوحل العربي، فهو عصبي وانفعالي جعل الأمة العربية بكاملها تتزحلق خلال شهور فقط من تحرير فلسطين وضرب مصالح الشرق والغرب إلى تحرير النبطية وسوق الغرب وتصبح على خير.

الأول: كل هذا الذي حدث ويحدث لأن الشكل النهائي لخريطة النضال العربي لم يكتمل بعد.

الثاني: إذا بقيت مفاهيم النضال العربي كما هي عليه الآن، فإن الشكل النهائي لخريطته، وخريطة الوطن العربي نفسه، لن يكون في المستقبل إلا كشكل الخنفس بعد أن يقول له حلاق السجن " نعيماً " وتصبح على ألف خير.

الأول: هل تنام؟

الثاني: نعم وشراع الحق حطام.

الأول: إلى متى؟

الثاني: حتى تنتهي مفاوضات خلدة.

الأول: ولكنها لن تنتهي كما تريد أمريكا.

الثاني: ولا روسيا.

الأول: لا تقرن اسم صديقة الشعوب بعدوة الشعوب.

الثاني: اهدأ قليلاً ستقلب بنا البرميل.

الأول: لينقلب العالم بأسره، لن تنتهي المفاوضات كما يحلو لأعداء هذه الأمة. فالخلافات قائمة على قدم وساق فيما بينهم. أين الراديو؟ أريد أن أسمع الأخبار.

الثاني: بدون راديو أو صحف أو تلفزيون. أنا أقول لك آخر الأخبار وأول الأخبار منذ النكبة حتى الآن
.


كل طبخة سياسية في المنطقة، أمريكا تعدها، وروسيا توقد تحتها، واوروبا تبردها، واسرائيل تأكلها، والعرب يغسلون الصحون


.

ممنون شواربك - محمد الماغوط


كلما حلت بالأمة العربية كارثة، أو مرت عليها ذكرى كارثة، وقرأت أو سمعت أو شاهدت بهذه المناسبة مظاهرة أو مسيرة محروسة من جميع الجهات لأنها عفوية، يتقدمها صف من وجهاء وأعيان القضية. يسيرون متلاصقين كتفاً لكتف وخصراً لخصر وركبة لركبة. مثل فرقة الدبكة. معبرين بوجوههم المقطبة المجهمة عن ذكرى العار القومي. أو يوم الحداد العالمي، دون أن تنزل من عين أي منهم دمعة واحدة. سرعان ما أتلمس ما تبقى من شعري وأنا اتساءل عما إذا كانت هناك علاقة بالفعل بين الرعب والأهوال والمفاجآت وبين نمو الشعر؟ لأنه إذا كانت مثل هذه العلاقة موجودة فعلاً، فمعنى ذلك أنه لن ينقضي العام الأول من المطر، لأية سيارة تاكسي لكي تنقلني إلى أي مكان في هذا الليل البهيم، وإذا بشاعر تقدمي يبرز لي من الضباب ويبادرني بلهفة: - أين أنت يا رجل؟ عندي حفلة تعارف صغيرة في البيت وحبذا لو تقبل دعوتي.

قلت مستريباً: من الحضور؟

قال: وفد صداقة من إحدى الدول الإشتراكية. ويسعدني أن تتعرف اليهم.

قلت: آسف.

قال: ولكن هناك كثير من الفودكا. والعشاء "فيليه" من فخذ الغزال. جئت به خصيصاً من أعماق السهول الروسية.

قلت: تقصد أنه غزال تقدمي؟

قال ضاحكاً: تقريباً.

قلت: حسناً لن أذهب ولو كان العشاء "فيليه" من فخذ بريجنيف.

قال: أهو موقف؟

قلت: أبداً، كل ما هنالك أنني لبيت دعوة من هذا النوع من قبل وأقسمت أن لا أعيدها. إذ شربنا نخب كل الأحزاب والقوى والتجمعات التقدمية في أوروبا وأمريكا حتى جاء الخبز والملاعق، ونخب كل الثورات في آسيا وأفريقيا حتى جاءت السلطة وهذا كان منذ سنين. فما بالك الآن والعالم يبيض ثورات؟

قال: لا ... لا ... أنت غاضب لسبب آخر. رفع العلم الاسرائيلي في سماء مصر. لا تحزن يا صديقي ولا تتشاءم. اتفاقيات كامب ديفيد ونظام السادات والحلف الامبريالي كله سيسقط.

قلت بلهفة: كيف؟

قال: بإرادة الشعوب وقواها التقدمية وسوف تعود فلسطين إلى أهلها!!!

قلت: أليس هو الشعار المطروح منذ 1948 قبل الميلاد؟

قال: نعم.

قلت: في هذه الحالة أرجو أن تبلغ صديقي الشاعر يوسف الخطيب أن لا يوجه لي الدعوة لتناول الغذاء في يافا أو حيفا كما فعل صبيحة حرب حزيران.

قال: بل ستحضر وتكون في طليعة المدعوين.

قلت: لا أحب الظهور. وإذا كان لا بد فسأجلس على طرف المائدة.

قال منشرحاً: والآن ما علينا إلا دعم وتأييد التدخل السوفييتي في شؤون أفغانستان بناء على طلب حكومتها. لأن القضية العربية مربوطة جدلاً بما يجري في أفغانسان. وهذا تعليق لكاتب تقدمي انكليزي مصداقاً لما أقول. وبعد أن ألقيت التعليق دون أن أنظر إليه، تقدم ومن خلال الضباب أيضاً طليعي آخر وبادرني معاتباً: "رأيتك تتحدث مع واحد من جماعة موسكو. وهم مشبوهون ومرتهنون لأي نظام والماركسية اللينينية منهم براء. فللوقوف في وجه الامبريالية أعدموا ملايين الفلاحين في الثورة. ليأكلوا خبزهم في نهايتها من حقول الامبريالية وبالرجاء والتوسل. وهذا كتاب لريجيس دوبريه يؤيد هذه المقولة من أول سطر".
وما أن اتبعت الكتاب بالتعليق الذي سبقه حتى برز لي من الضباب أيضاً ناقد متطرف وقال: لقد رأيتك تتحدث إلى واحد من جماعة "ماو" إنهم منحرفون ومزيفون للعقيدة اللينينية - الماركسية. لقد أبادوا العصافير في بلادهم ليتحولوا هم أنفسهم إلى عصافير على أغصان الامبريالية. وكل ما يفعلونه الآن هو الزقزقة عن الاشتراكية. وهذه مقابلة مع رودنسون تفضح أكاذيبهم وعمالتهم.

وما كاد ينصرف حتى كنت وجهاً لوجه مع مخرج من أقصى أقصى اليسار، وقد بادرني مزبداً مرغياً: لقد رأيتك تتحدث مع واحد من جماعة تروتسكي. وهي جماعة منقرضة ومشكوك بأمرها منذ زمن بعيد. وعليك أن تنتظر نهايتهم جميعاً.

قلت: لم يعد عندي جلد حتى لانتظار باص.

قال: ان ما يحتاجه العالم الآن هو يسار جديد يكتسح الأخضر واليابس. وهو في طور التكوين. فكل الشارع العربي يساري.

قلت: نعم. الشارع يساري والأزمة يمينية.

قال: أنت مضلل ومسكين وبحاجة إلى من يرشدك ويحميك. هل تنضم إلينا.

قلت: ابعدني عن السياسة أرجوك.

قال: حسناً هناك لجنة أدبية وليست سياسية للدفاع عن حرية الكاتب العربي وهي يسارية. ما رأيك؟

قلت: لجنة يسارية تنبت هكذا فجأة للدفاع عن الكاتب العربي. عن الفلاح العربي. عن الكندرجي العربي، لن أنتسب إليها قبل أن أعرف بالضبط كم عدد أعضائها وكم دولاراً رأسمالها!

فصرخ مزمجراً: امريكا ... امريكا ... اللعنة على امريكا. إنها وهم، انظر ما جرى ويجري لها في إيران وأفغانستان والسلفادور وبوغوتا على أيدي شعوبها. ونحن جزء من هذا العالم المتفجر، وعليك - شئت أم أبيت - أن تنتظر الثورة العربية الشاملة.

قلت مذعوراً: تقصد أن الثورات التي مرت علينا كانت "أكل هوا" مقدمات! وأن الضربة الكبرى لم تأت بعد؟

قال: طبعاً. ان الماركسية - اللينينية ستنتصر. وسوف تحقق الرفاه المبرمج. والتوازن بين الدخل والانفاق، والانفاق والانتاج، لأن راس المال ...

قاطعته متوسلا ... وأنا أهم بالانصراف: " أخي أمنوا لي خبزاتي ودخاناتي كل يوم وصندلين لولدي كل سنتين وأنا ممنون شوارب ماركس ولينين وانغلز واسبارتاكوس "

محمد الماغوط 

الاقنية الرومانية

المسافر: أعددت جدول مباحثاتي مع الأمين العام لجامعة الدول العربية، وركبت رأسي قبل طائرتي، وانطلقت إلى تونس الخضراء. ولما علم بأنني "كاتب" استقبلني في المطبخ، ولكنه بدد في الحال ما اعتبرته إهانة شخصية لي، عندما ربت على كتفي وجدول مباحثاتي وقال

القليبي: لا تبتئس يا بني، فأول تعارف بين خروتشوف ونيكسون تم في المطبخ، وأنا أجتمع بك في هذا المكان تقديراً مني ومن الجامعة التي أمثلها للدور الكبير الذي يلعبه الأدب والادباء في هذه المرحلة.

المسافر: شكراً يا سيدي.

القليبي: وقد كان بودي أن استقبلك شخصياً في المطار، وأعود بك من سيارة الجامعة وتحت أعلامها.

المسافر: كم علماً لها الآن يا سيدي؟

القليبي: لا أعرف. ولكن منذ الاعلان عن اتفاق شولتز بين لبنان واسرائيل لم أغادر مكتبي ولم أر حتى زوجتي وأطفالي، بانتظار ردود الفعل العربية عليه.

المسافر: وهل هو خطير لهذه الدرجة يا سيدي؟

القليبي: إنه بالتأكيد سوف يقلب معظم التحالفات والتوازنات القائمة في المنطقة. فاسرائيل هي اسرائيل، لا يمكن أن تعيد شيئاً اخذته بالقوة دون ثمن يوازيه وأكثر.

المسافر: ولكنها أخذت سيناء بالقوة ثم أعادتها بالكامل للشقيقة مصر.

القليبي: وأخذت جنوب لبنان بدلاً منها.

المسافر: ولكنها ستعيده حسب نصوص الاتفاق. فما هي المشكلة اذن يا سيدي؟

القليبي: ما الذي ستأخذه من العرب بدلاً منه. إنها في أعقاب كل حرب تضع الأمة العربية وفي طليعتها لبنان في زاوية حادة كمنقار الصقر، ليكون شعبها العصافير المطلوبة دولياً واقليميا، فهل نسمح لها بذلك؟

المسافر: كلا، وألف كلا، ولكن كيف؟

القليبي: بالارتفاع إلى مستوى المسؤولية.

المسافر: وهل هذا الاتجاه متوفر الآن يا سيدي؟

القليبي: نعم، وعندي تأكيدات قاطعة حول هذا الموضوع.

المسافر: ولكن ها قد مضت أسابيع وأكثر على توقيع الاتفاق، والصمت العربي يكاد يكون مطبقاً.

القليبي: بالعكس، هذا دليل على استغراق الدول العربية في دراسة الاتفاق وتقييمه من جميع جوانبه قبل تحديد موقفها النهائي. فالمرحلة خطيرة والمسؤولية أخطر. وأنا أتوقع ظهور هذه المواقف وردودها إلى أمانة الجامعة تباعاً بين لحظة وأخرى. ويبدو أن وجهك خير عليّ، وعلى الجامعة العربية، وعلى الأمة العربية بأسرها.

المسافر: وجهي أنا، لماذا؟

القليبي: ألا تسمع لاقطة البرقيات الالكترونية كيف أخذت تصفر؟ إن سيل البرقيات أخذ يتوالى. لا تعبث بها أرجوك. إنها برقيات تاريخية في ظرف تاريخي.

المسافر: اذن تفاؤلك كان في محله؟

القليبي: طبعاً. فعندي تأكيدات حول ذلك.

المسافر: برقية عاجلة من ثلاث دول عربية دفعة واحدة تعلن رفضها القاطع للاتفاق. عظيم، وهذه برقية من ثلاث دول اخرى تعلن موافقتها المبدئية عليه. على كل حال، موقف.
وهذه برقية من أربع دول جديدة تعلن تحفظها مؤقتاً من الاتفاق، ريثما تقوم باتصالا تها مع الدول التي رفضت الاتفاق لتعرف لماذا رفضته. ومع الدول المؤيدة له، لتعرف لماذا أيدته، وذلك حرصاً منها على وحدة الصف العربي.
وهذه برقية جديدة من دولة جديدة، تعلن أنها ترفض الاتفاق إذا كان يتناقض مع مقررات قمة فاس، وذلك حرصاً على وحدة الهدف.
وهذه برقية من دولة اخرى، تعلن موافقتها على الاتفاق إذا كان لا يتناقض مع مقررات قمة فاس والرباط حرصاً منها على وحدة المصير.
وهذه برقية ثانية من الدول التي كانت قد رفضت الاتفاق بشكل قاطع، تعلن موافقتها المبدئية عليه، إذا كان يسمح بعودة مصر إلى الحظيرة العربية، وذلك لأسباب تتعلق بأمنها القومي.
وهذه برقية من الدول التي كانت قد وافقت عليه بشكل مبدئي، تعلن رفضها القاطع له إذا كان غطاء لمشروع ريغان، لأسباب تتعلق بسياستها الاستراتيجية.
وهذه برقية من خمس دول اخرى تعلن تحللها من كافة التزاماتها السابقة، وأنها ستحدد موافقها الجديدة من الاتفاق بعد تفسير الملاحق المرفقة به، لأسباب تتعلق بأمنها السياسي.
وهذه برقية أخرى مستعجلة من الدول التي كانت قد رفضته ثم أيدته، تعلن أنها لا تستطيع تحديد موقفها النهائي قبل أن تتضح مواقف كافة الاطراف على الساحة اللبنانية، لاسباب تتعلق بدورها القومي.
وهذه برقية مستعجلة اخرى من الدول التي كانت قد أيدته ثم رفضته تعلن أيضاً، أنها لا تستطيع تحديد موقفها النهائي من الاتفاق، لأسباب تتعلق بدورها الجغرافي.
وهذه برقية من الأغلبية الصامتة، بين الدول العربية، تعلن أنها ما زالت كالعهد بها، وفية لالتزاماتها، أمينة على مبادئها، ثابتة على مواقفها في رأب الصدع وتوفير الجهد لتحرير لبنان ورفاهية شعبه وفرض سلطته الشرعية على كامل ترابه. ولكنها لا تستطيع بلورة موقفها النهائي من الاتفاق، قبل فرز كافة المعطيات التي كانت قائمة على الساحة اللبنانية قبل المفاوضات، وبلورتها مع كافة المعطيات التي استجدت على الساحة العربية خلال المفاوضات. ومن ثم بلورة الموقف في لبنان من الدول المؤيدة لانتمائه العربي قبل الاتفاق، والمعارضة له بعد الاتفاق، وذلك لأسباب تتعلق بدوره الفلسطيني والعربي على حد سواء. والله الموفق.

المسافر: الموفق على ماذا؟

القليبي: على كسب الوقت، ريثما تتضح بعض الأمور.

المسافر: واضحة كعين الشمس، فكل هذه العواطف المشبوهة والكلمات المعسولة عربياً ودولياً، عن الأدوار التاريخية والحضارية في المنطقة، من أجل الغاء دور الثورة الفلسطينية وحجب الاضواء عنها أرضاً وفكراً وشعباً.

القليبي: بل لنصرتها وحماية وحدتها وأهدافها. وعندي تأكيدات قاطعة بذلك. ألو سنترال ... أعطني الثورة الفلسطينية.

السنترال: لا صوت لها يا سيدي.

القليبي: ابحث عنها في أي مكان، أريد أن أتحدث معها بأي وسيلة.

السنترال: مستحيل يا سيدي، فمكاتبها في تونس، ومعسكراتها في عدن، ومقاتلوها في البقاع، وصحافتها في قبرص، وأطفالها في المخيمات، وشهداؤها في البرادات، وشبابها في مراكز الهجرة والجوازات.

القليبي: أعطني المسؤول الفلسطيني الذي تجده.

السنترال: سافر إلى كوبا لنصرة الشعوب في أمريكا اللاتينية.

القليبي: الأحداث تتصاعد، أعطني وزير الخارجية الكوبي.

السنترال: سافر إلى المنطقة لوقف الهجمة اليمينية الشرسة عليها وعلى اليسار العربي.

القليبي: أعطني رئيس اليسار العربي.

السنترال: أي يسار؟

القليبي: اليسار العربي الماركسي.

السنترال: عرفته. لقد سافر لأداء مناسك العمرة.

القليبي: الأحداث تتشابك. أعطني مفتي المنطقة لأعرف ما هي القصة.

السنترال: سافر إلى موسكو لحضور الاحتفالات بذكرى ميلاد لينين.

القليبي: بصراحة ... لم نعد نفهم ما يجري، وما سيجري.

المسافر: وهذا المطلوب.

محمد الماغوط 

المواطن والكلب

كان المثقف العربي غارقاً في بث همومه ومكنونات صدره للكلب الصغير المتثاقل ترفاً واسترخاء في احدى سيارات السلك الديبلوماسي الأجنبي وسط تجمع المارة وسخريتهم، عندما أقدم أحد رجال الشرطة مسرعاً بمسدسه وهراوته وأصفاده وغيرها من عدة الديموقراطية العربية.
المثقف: سنتابع حديثنا فيما بعد.
الكلب: لم يرتجف صوتك وتصطك ركبتاك؟
المثقف: لقد جاء الشرطي؟
الكلب: وإن جاء، ما علاقته بك أو بسواك؟
المثقف: إذا لم تفهموا هذه العلاقة حتى الآن فلن تفهموا ما يجري في منطقتنا أبداً.
الكلب: أنا لا أخاف من حلف الأطلسي.
المثقف: لأن حلف الأطلسي قد يراجع بشأنك إذا ما تعرضت لمكروه.
الكلب: أليس لك أهل وأصدقاء يراجعون بشأنك؟
المثقف: طبعاً. ولكن المشكلة أن الذين سيراجعون بشأني سيصبحون هم اوتوماتيكيا بحاجة إلى من يراجع بشأنهم. الآن وصل الشرطي. أرجوك أن تتصرف وكأنك لا تعرفني.
الشرطي: ما هذا التجمع وسط الشارع؟
المثقف: الا تسمعون؟ ممنوع التجمع إلا لرجال الأمن.
الشرطي: هيا . كل في حال سبيله.
المثقف: مواطن يتحدث إلى كلب، هل هي فرجة؟
الشرطي: بل جريمة.
المثقف: قبل أن ترفع هذه العصا يجب أن تعرف، وأنت رجل القانون، لا يوجد في أي عرف أو دستور أو بيان وزاري ما يمنع المواطن من التحدث إلى كلب؟
الشرطي: من ندرة الاشخاص والمنابر والمتفقهين من حولك حتى تتحدث بما تعانيه إلى هذا المخلوق المنفر الغريب؟

المثقف: ولمن أتحدث يا سيدي.
الكتاب مشغولون بالجمعيات السكنية.
والفنانون بالمسلسلات الخليجية.
والمعلمون بالامتحانات.
والطلاب بمعاكسة الفتيات.
والتجار باحصاء الارباح.
والفقراء بغلاء الأسعار.
والمسؤولون بالخطابات.
الشرطي: عمّ كنتما تتحدثان؟
المثقف: موضوعات عامة. كنا نتحدث عن الحب.
الشرطي: كذاب. لا أحد يحب أحداً.
المثقف: عن الصداقة.
الشرطي: أيضاً كذاب. لا أحد يثق بأحد.
المثقف: عن الصحافة العربية.
الشرطي: لا أحد يقرأها.
المثقف: عن الاذاعات.
الشرطي: لا أحد يسمعها.
المثقف: عن الإنتصارات.
الشرطي: لا أحد يصدقها.
المثقف: عن المقاومة الفلسطينية.
الشرطي: لا أحد يحس بوجودها.
المثقف: عن حرب الخليج
الشرطي: لا أحد يبالي بها.
المثقف: عن الزراعة.
الشرطي: لا أحد يزرع شيئاً. كل طعامنا صار معلبات. عمّ كنتما تتحدثان للمرة الأخيرة؟
المثقف: بصراحة، كنت احدثه عن قضية الصراع العربي - الإسرائيلي من الألف إلى الباء.
الشرطي: ياللفضيحة. تتحدث عن أهم قضية عربية إلى كلب وأجنبي أيضاً.
المثقف: لا تحمل الموضوع أكثر مما يحتمل. اعتبره تتمة للحوار العربي - الاوروبي.
الشرطي: ولماذا كنت تطلعه على صحفنا المحلية.
المثقف: كنت أتلو عليه احدى الافتتاحيات.
الشرطي: وكيف كان تعقيبه عليها؟
المثقف: لقد عوى.
الشرطي: كلب متواطىء.
المثقف: لماذا تتحدث عنه بكل هذه الضعة والاستصغار يا سيدي؟ صحيح أنه كلب صغير بحجم قبضة اليد ولكن انظر إليه كيف يبدو وادعاً مطمئناً، وواثقاً من كل شيء، يعرف متى يأكل ومتى يشرب ومتى يخرج إلى النزهة ومتى يعود منها، ومتى ينام ومتى يستيقظ. باختصار: كلب صغير يعرف مصيره ورجل طويل عريض لا يعرف مصيره. آه يا سيدي
الشرطي. أنا الإنسان العربي، لو كان لي حقوق كلب فرنسي أو جرو بريطاني لصنعت المعجزات بقلمي البائس ودفتري المهترىء هذا. هل سمعت بإلياذة هوميروس؟
الشرطي: لا.
المثقف: بالأوديسة؟
الشرطي: لا.
المثقف: بملحمة غلغامش؟
الشرطي: لا.
المثقف: بالكوميديا الإلهية لدانتي؟
الشرطي: لا.
المثقف: بمسرحية فوست لغوته؟
الشرطي: لا.
المثقف: إذن بماذا سمعت؟
الشرطي: منذ غزو لبنان لم أسمع إلا أغنية "صيدلي يا صيدلي".
المثقف: إذن: هل تسمح لي بأن أعوي معه قليلاً.
الشرطي: لا هيّا أمامي.
المثقف: لن أمشي في الشارع هكذا.
الشرطي: ماذا تريد؟ موكباً رسمياً!
المثقف: أريد طوقاً حول عنقي فقد أهرب. كمّامة على فمي فقد أعض.
الشرطي: من ستعض يا هذا؟
المثقف: قد أعض الأرصفة. البنوك. الجماهير. اليمين. اليسار. الشرق. الغرب. الجنوب.
الشمال. اخفض مسدسك يا سيدي ولا تصدق ما أقول ففي النتيجة لن أعض إلا لساني على قارعة الطريق، أو أصابعي حتى يتصل الناب بالناب لأنني آمنت بشيء ما في يوم من الأيام. أليس كذلك يا سيدي الشرطي؟
الشرطي: أرجوك لا تضربني على الوتر الحساس وإلا تركت عملي وانضممت إلى المحادثات معكما

الماغوط

الجاحظ


العربي الأول: صباح الخير.
العربي الثاني: صباح لبنان، والضفة الغربية، وجنوب لبنان، وروافد نهر الأردن، وحريق المسجد الأقصى، وضرب المفاعل النووي العراقي، واتفاقية سيناء، وكامب ديفيد، وعقد الاذعان، ومؤتمرات القمة، وخلافات المقاومة، وحرب الخليج، ومجازر صبرا وشاتيلا، ومجازر طرابلس، وقوانين الطواريء والأحكام العرفية، يا قليل الذوق والتهذيب.
الأول: ماذا فعلت حتى تثور كل هذه الثورة وترفع عليّ حذائك؟
الثاني: عربي ويقال له صباح الخير!
الأول: ماذا يقال له إذن؟
الثاني: يقال له: صباح الجلطة، صباح الديسك، صباح الشلل النصفي ...
الأول: آسف.
الثاني: قلها مرة ثانية وسأشكوك إلى الشرطة، إلى محكمة القيم.
الأول: لم أكن أقصد استفزازك أبداً.
الثاني: ثم ما هذه الخدوش التي في وجهك؟
الأول: مناقشة عائلية بسيطة، وأنت، ما هذه الهضبة التي في رأسك؟
الثاني: ضربتني زوجتي بالطنجرة.
الأول: طنجرة عادية؟
الثاني: ألومنيوم
الأول: لا. نحن أرقى منكم. أنا ضربتني زوجتي بطنجرة بخار.
الثاني: ولذلك قد يصفر رأسك في أية لحظة عندما تنضج آلامك.
الأول: هل هذه نكتة؟
الثاني: نعم.
الأول: عجيب.
الثاني: ولكنها نكتة ملتزمة، لا يضحك لها المواطن فوراً كالنكتة البرجوازية العفنة. ولكن في ما بعد، بعد شهر أو شهرين، لأن القيمة الجدلية للنكتة ...
الأول: وهل عندكم الكثير من هذه النكات الملتزمة.
الثاني: مجموعة لا بأس بها. وبمجرد أن تقرها اللجنة المركزية، والمكتب السياسي واللجان الشعبية في الأقاليم، ويجربها المسؤولون شخصياً في بيوتهم، سوف تطرح على الجماهير في أحد أعيادها القومية.
الأول: كان الله في عون هذه الجماهير.
الثاني: تحيا الجماهير.
الأول: تحيا.
الثاني: يعيش الشعب العربي يا...
الأول: يعيش. يعيش. يعيش.
الثاني: تسقط الأحلاف الاستعمارية تا...
الأول: أرجوك دعنا من هذا الحديث، فربما سمعتنا المخابرات.
الثاني: اطمئن. أنا نفسي من المخابرات. كيف أبدو؟
الأول: سبحان الخالق. ولكن في هذه الساعة المتأخرة من الليل، والشوارع مقفرة، والناس كلهم نيام، من تراقب؟ بزوغ الشمس من الناحية الأمنية!
الثاني: بزوغ أي شيء. وإذا لم أجد ما أراقبه، أراقب نفسي.
الأول: هذه حال لم أسمع بها من قبل.
الثاني: بل هناك حالات كثيرة متشابهة. أنا مثلاً أعرف صحفياً إذا لم يجد جهة يقبض منها يقبض من نفسه.
ومطربة تغني أمام المرآة لنفسها وتصرخ بحماس: ما صار. ما صار. وبرلمانياً سابقاً يخرج من دورة المياه ويقول: انتهت الجلسة.
الأول: يبدو لي أن أعصابك في غاية الأرهاق.
الثاني: ثلاث ليال لم أعرف طعم النوم.
الأول: من تراقب.
الثاني: لا أعرف.
الأول: لم لم تذهب اذن إلى بيتك وتنام مع زوجتك وأطفالك؟
الثاني: لا أستطيع لأنني أنا أيضاً مراقب.
الأول: يا له من عالم عجيب.
الثاني: نعم يا صديقي، فعندنا لا بد من مخابرات تراقب المخابرات.
ومن طالب لمراقبة الطلاب.
ومن كاتب لمراقبة الكتاب.
ومن سائق لمراقبة الركاب.
ومن سكير لمراقبة السكارى.
ومن قاض لمراقبة القضاة.
ومن محام لمراقبة المحامين.
ومن مهندس لمراقبة المهندسين.
ومن حرفي لمراقبة الحرفيين.
ومن فنان لمراقبة الفنانين.
ومن صحفي لمراقبة الصحفيين.
ومن رياضي لمراقبة الرياضيين.
ومن مسافر لمراقبة المسافرين.
ومن سجين لمراقبة المساجين.
ومن يميني لمراقبة اليمينيين.
ومن يساري لمراقبة اليساريين.
ومن ناصري لمراقبة الناصريين.
ومن وحدوي لمراقبة الوحدويين.
ومن وافد لمراقبة الوافدين.
ومن فدائي لمراقبة الفدائيين.
ومن متفائل لمراقبة المتفائلين.
ومن يائس لمراقبة اليائسين.
ومن بائس لمراقبة البائسين.
ومن متحضر لمراقبة المتحضرين.
بمعنى أن السلطة تراقب الشعب، والشعب يراقب السلطة.
الأول: واسرائيل تراقب الجميع
!
الماغوط